فوزي آل سيف

146

أعلام من الأسرة النبوية

ضحك عمرو على لحية أبي موسى! وتشاتما فشبه أبو موسى عَمرا بالكلب، وعمرو شبهه بالحمار يحمل أسفارا! وصدق القائل في هذه الواقعة: لو كان للقوم رأي يعصمون بـــــــــه من الضلال رموكم بابن عباس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن لا يهتدي ضرب أخماس بأسداس مهمة التفاوض الثالثة التي أرسله الإمام فيها، كانت مع الخوارج فهؤلاء بعد أن اضطروا الإمام عليه السلام لقبول التحكيم بدلا عن استمرار القتال وكان جيش الإمام على قاب قوسين من الإنتصار، لكن جهلهم بمكر وخداع عمرو بن العاص بفتنة رفع المصاحف على الرماح، وهم نفسهم الذين أصروا على الإمام في أن يجعل أبا موسى الأشعري حكما، كما تقدم قبل قليل، والآن بعد أن تكشفت لهم الخديعة بل خطيئتهم في ذلك، خرجوا على الإمام عليه السلام بزعم أنه حكّم في دين الله!! واعلنوا العصيان العسكري والتمرد وقطعوا الطريق، فلم يجد الإمام بدّاً من مقاومتهم، لكن طريقة الإمام هي هي، ما كان يبدأ غيره بقتال.. فأرسل إليهم لسانه ورسوله وتلميذه، ابن عباس وأوصاه بأن: لا تحاججهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه.. " فقال ابن عباس: أي أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم. في بيوتنا نزل فقال علي: صدقت ولكن القرآن حمال ذو وجوه. تقول ويقولون ولكن حاجهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصا. فخرج ابن عباس إليهم وعليه حلة حبرة. فحاجهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة).[397] كما قام الإمام عليه السلام أيضا بمناقشتهم فيمَ الذي نقموه منه حتى خرجوا عليه؟ وأجاب على كل كلماتهم واشتباهاتهم، ولكن عمى البصيرة كان قائد الخوارج إلى القتال وكان هذا هو الذي حصل. سيرجع الإمام عليه السلام هذه المرة إلى الكوفة ليتخذها عاصمة، فأراد أن يترك في البصرة أثره وثقته ابن عباس واليا، وقد سبق أن ذكرنا أن الكوفة والبصرة هما مصرا العراق الأعظم.. وسيتهم بعض المؤرخين هنا ابن عباس بأخذ ما في بيت المال من البصرة والسيطرة عليها، وسيأتي بحث خاص لاحق بهذا الموضوع. وحين عاد إلى الكوفة، وولد له مولود سماه الإمام باسمه (علي) وكناه بأبي الحسن، بعد أن زاره الإمام كان ذلك في يوم الثامن عشر من شهر رمضان، ليضرب في فجر ليلة التاسع عشر منه، ويجد ابن عباس من الألم ما لا يوصف بالبيان، لفقد إمامه ومعلمه وأبيه الروحي. وقام ابن عباس مرة أخرى خطيبا في الناس ليعلن لهم عن خلافة الإمام الحسن المجتبى لأبيه أمير المؤمنين (عليهما السلام) وندبهم إلى بيعته، وعاد ابن عباس مرة أخرى إلى ولاية البصرة ليواجه مؤامرات معاوية في إرساله عملائه لبث الفتنة في البصرة وتخذيل الناس عن الإمام الحسن عليه السلام، بينما واجهها ابن عباس بتدابيره المختلفة.. بقى والياً للإمام الحسن على البصرة إلى أن جرت الهدنة وتم الصلح وصارت الخلافة الظاهرية لمعاوية. وبطبيعة الحال لم يكن معاوية يستطيع تحمل وجود ابن عباس في ولاية البصرة فلا بد أنه سيعزله، فانسحب ابن عباس من ولاية البصرة قبل عزله إلى المدينة.. تم الأمر إذن لمعاوية، الأمر الذي كان يتمنى أمثال ابن عباس أن يكون قد مات ولم يشهد ذلك قد كنت أرجو أن أموت ولا أرى لبني أمية في المنابر خاطبا لا سيما وقد بدأ معاوية الافصاح عن أفكاره لفظا وطبقها عملا، فها هو ينهى عن رواية فضائل آل محمد بين المسلمين قائلا لابن عباس:

--> 397 ) ابن سعد ؛ الطبقات الكبرى 1 / 181